حيدر حب الله
95
شمول الشريعة
يقول المفسّر الطبري عند تفسيره الآية 89 من سورة النحل : نزّل عليك يا محمّد هذا القرآن بياناً لكلّ ما بالناس إليه الحاجة ، من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب « 1 » . قراءة نقديّة في الاستناد لمفهوم كليّة البيان القرآنيّ وهذا الدليل يمكن عدّه - إلى جانب النصوص الحديثيّة القادمة بحول الله - من أقوى الأدلّة على مبدأ الشمول والكلّية ، ولابد لنا هنا من بعض التعليقات : 2 - 1 - بين الكتاب التشريعي والكتاب التكويني إنّ الآية الأولى - وفق ترتيبنا - لا ربط لها بموضوع بحثنا هنا ، كما ذكرنا ذلك في مناسبةٍ أخرى « 2 » ؛ وذلك أنّ ملاحظة الآية بتمامها والتي جاء هذا المقطع في سياقها يعطي معنى آخر للكتاب الوارد فيها ، فقد قال تعالى : ( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) ( الأنعام : 38 ) ، وهذا السياق المرتبط بالشؤون التكوينيّة يثير احتمالًا آخر في المراد من الكتاب ؛ لأنّ كلمة ( الكتاب ) قد استعملت في القرآن بمعانٍ مختلفة ، منها : 1 - التوراة والإنجيل ، وربما لهذا سمّي اليهود والنصارى بأهل الكتاب . 2 - القرآن الكريم ، قال سبحانه : ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ) ( المائدة : 48 ) . بل يمكن أن يكون المعنى الأوّل والثاني راجعين إلى معنى واحد ، وهو الدين أو الشريعة أو الوحي الإلزاميّ النازل من السماء على النبيّ ، فيكون القرآن أو التوراة مجرّد تطبيقات لهذا العنوان . 3 - اللوح المحفوظ أو أيّ شيء يشبهه في أنّه خلقٌ تكويني ، ومنه قوله تعالى : ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) ( الأنعام : 59 ) . بل ربما كانت هذه التعابير كنائيّةً عن ثبات العلم الإلهي المتعلّق بوقائع العالم وحتميّته .
--> ( 1 ) جامع البيان 14 : 211 . ( 2 ) انظر : حيدر حبّ الله ، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي : 235 - 236 .